الفكر، الثقافة و الأدب، الحضارة

اسماعیل شفیعی سروستانی
لقد قلنا في الفصلين السابقين، بان الحديث في موضوع الفكر يدور حول نوع الرؤية والفكرة التي يكونها الانسان عن العالم والكون، وفي مقولة الثقافة يدور البحث حول مجموعة الاداب والتقاليد المقتبسة من ذلك الفكر ونوع الرؤية، وفيما يخص الحضارة، فان الامر يتعلق بالصورة المادية لحياة الانسان.

اسماعیل شفیعی سروستانی
«نحن نصنع المدن والمدن تصنعنا»، هذه عبارة نسبت الى تشرتشيل، ولا يفرق ان كان هذا الكلام لتشرتشيل أم لغيره. فنقطة دقيقة تكمن فيه وهي ان المدن تقوم على اكتاف صانعيها الذين يرسون اساس نظامها الثقافي وهيكلتها المعمارية بما يتطابق مع الاخلاق والادب والثقافة التي اكتسبوها. النظام الفكري الخاص التي يتضح فيه موقع الانسان والله والعالم. وهذا يتوقف على الانطباع الذي يحمله هؤلاء الصناع عن الانسان وما المقام والشان الذي يولونه له في الارض. هل هو مقام الهي في الارض أم عبودية تامة لرب الارباب؟

إسماعيل شفيعي سروستاني
إن اكتشافات القرن السادس عشر للميلاد والاستيلاء التدريجي على الطبيعة، جعل الانسان يواجه ظاهرة جديدة اسمها العلم الذي ليس وفر للانسان امكانية سيطرة الانسان على الكرة الارضية فحسب بل اصبح كمنافس للفلسفة القديمة ومستندا الى الانطباعات التجريبية البحتة، ليزعم بانه يعرض نوعا جديدا من المعرفة حول الكون. ان العلم الحديث قد ارسي في الحقيقة على اساس المفهوم الحديث للفلسفة،

اسماعیل شفیعی سروستانی
ولقب «الفلاسفة» بالباحثين عن الحقيقة ومحبي المعرفة. لكن هذا الموضوع اخذ دوما بنظر الاعتبار بان الفلاسفة وبمنأى عن مجالهم النظري الديني وبمعزل عن مصادرهم النظرية، كانوا بصدد الكشف عن الحقيقة، وافترضوا في هذه الرحلة الحافلة بالتقلبات، ان العقل الاستدلالي هو المحك والمعيار لنيل هذه الامنية البشرية.

اسماعیل شفیعی سروستانی
عن اي موضوع تحدثنا، فان احد اوجهه الجادة يعود الى الانسان. لذلك يبدو من الضروري التأمل حول الانسان وكيفية ظهوره ومصدر نشاته وغاية حياته ومسار تطوره. ان الحديث حول هذا الكائن، ليس بجديد وقد شغل ذهن جميع المفكرين طوال التاريخ، وربما يمكن القول ان اي موضوع لم يكن مطروحا بهذا القدر في المجتمعات الانسانية. وبلاشك فان من الضروري التأمل في هذا الخصوص بالنسبة لجميع الذين يتعاطون مع القضايا الثقافية والادبية والانسانية، لان هؤلاء يتعاملون مباشرة مع الانسان وتنشئته ويسعون لحل مشاكله الفردية والاجتماعية.

إسماعيل شفيعي سروستاني
إن «الثقافة» هي روح جميع العلاقات. وما يتشكل على اساسها جميع شؤون الحياة الفردية والجماعية للانسان. ان «الادب» و «الاخلاق» و «الثقافة» او اي اسم اخر قادر على استيعاب هذا المفهوم، هو بمثابة كل شامل يضفي معنى على «وجود» الانسان و «عيشه» و «موته». وبالتحديد ما يتعلق بفكر خاص ومعرفة خاصة وتعريف معين عن العالم والانسان والذي قدمه نبي او حكيم او مفكر الى بني ادم.

إسماعيل شفيعي سروستاني
القسم الثالث :
2.‌ معرفه الكون
إن عدم الاهتمام بمصدر الكلام والاعمال التي تنشر في حوالينا، دفعنا الى التشابك مع مظاهر متعددة ومنوعة لم تساعدنا على الوصول الى درك صحيح عن الامور فحسب بل جعلنا نعلق بين الشبهات.

إسماعيل شفيعي سروستاني
لقد انتجت البشرية منذ غابر الازمان و حتى يومنا هذا اعمالا و اثارا مختلفة؛ فقد بنت حضارات عريقة دامت الاف السنين على الارض واصبحت مصدر استلهام للحضارات التي تلتها. فالامم الكبيرة صاحبة حضارات كبيرة، الحضارات التي يؤشر مجمل العلاقات الاجتماعية و المعمارية و الموسيقى و التكوين التعليمي و النسيج الاجتماعي و العلاقات الانسانية فهيا على روعتها و بهائها و جلالها.

لقد صدر هذا الكتاب للمرة الاولى عام 1996 عن دار «نيستان» للنشر (تحت ادارة الاخ الفاضل السيد مهدي شجاعي). و عندما تقرر ان تقوم دار «هلال» للنشر باصدار طبعته الثانية، بدا ان دراسة ومراجعة الكتاب من جديد يمكن ان تسهم في ازالة الثغرات التي بدت في الطبعة الاولى، لذلك فان النقحة الثانية للكتاب انجزت من خلال حذف و اضافة بعض الصفحات.

الحمدلله الواحد الاحد والسّلام والصّلاة على خاتم الانبياء والمرسلين صلوات الله عليه وعلى اله الاطهار المنتجبين. لم يشغل ذهني خلال العامين او الثلاثة الاخيرة شئ سوى عنوان هذا الكتاب المنتخب. فهذا العنوان اختير بداية لمجموعة من المقالات التي نشرت في صحيفة «كيهان». وعندما قرر «مجمع الكتاّب والفنانين المسلمين» اصدار هذا الكتاب، ارتأيت مراجعة جميع فصوله الى ان اصبح في حلته الحالية.