الثلاثی المقدس (القسم الرابع: الغرب والنزعة السلطویة)

الثلاثی المقدس (القسم الرابع: الغرب والنزعة السلطویة)

يكشنبه ۱۲ آذر ۱۳۹۱ ساعت ۱۹:۵۶
امتیاز این گزینه
(0 آرا)

لابد من الانتباه الى اننا وبغض النظر عن المسائل السیاسیة والاجتماعیة والثقافیة وحتى المصالح الاقتصادیة نواجه تیارا ذا طبیعة وماهیة سلطویة واستكباریة. التیار الذی یبدی حقده وضغینته من منطلق القول القائل من ان ذاته تتطلب ذلك. انه لا یملك الا ان یمارس النزعة الاستكباریة. ان قول الامام الخمینی (رض) ان "امیركا هی الشیطان الاكبر" ینطوی على هذا المعنى بان الخبث والشیطنة هما جزء لا یتجزأ من حیاة  امیركا الشیطانیة ولیس امرا عرضیا فی حیاتها. ای اننا ان انتزعنا الشیطنة من الشیطان كما لو اننا انتزعنا البلل والرطوبة من الماء، او ان ننتزع الدهنیة من الدهن، فان انتزعنا الشیطنة من الشیطان فانه لن یعد شیطانا. لیس هناك كائن اسمه الشیطان تحدث له الشیطنة بصورة عرضیة.

 

القسم الرابع

الغرب والنزعة السلطویة

اسماعیل شفیعی سروستانی

لابد من الانتباه الى اننا وبغض النظر عن المسائل السیاسیة والاجتماعیة والثقافیة وحتى المصالح الاقتصادیة نواجه تیارا ذا طبیعة وماهیة سلطویة واستكباریة. التیار الذی یبدی حقده وضغینته من منطلق القول القائل من ان ذاته تتطلب ذلك. انه لا یملك الا ان یمارس النزعة الاستكباریة. ان قول الامام الخمینی (رض) ان "امیركا هی الشیطان الاكبر" ینطوی على هذا المعنى بان الخبث والشیطنة هما جزء لا یتجزأ من حیاة  امیركا الشیطانیة ولیس امرا عرضیا فی حیاتها. ای اننا ان انتزعنا الشیطنة من الشیطان كما لو اننا انتزعنا البلل والرطوبة من الماء، او ان ننتزع الدهنیة من الدهن، فان انتزعنا الشیطنة من الشیطان فانه لن یعد شیطانا. لیس هناك كائن اسمه الشیطان تحدث له الشیطنة بصورة عرضیة.

لا یمكن انتزاع الشیطنة والخبث من وجود الغرب الاستكباری. لذلك عندما نقول : امیركا الشیطان الاكبر، فذلك یعنی ان الممارسة الاستكباریة لا تنفصل عن امیركا. ان ذاتها وجوهرها استكباری. ان ثقافتها وادبیاتها وفكرها والحضارة التی اوجدتها، جلها استكباریة النزعة والطابع. ای عندما نلقی نظرة على افكارها نرى بان الممارسة الاستكباریة طاغیة علیها وعلى معتقداتها. وتبرز النزعة السلطویة والهیمنة فی ثقافتها وتقالیدها واخلاقها كما الامر فی حضارتها وعمارتها وممارستها السیاسیة.

وأشرت ذات مرة فی مقال بعنوان "التظاهر والتحكم" الى ان التظاهر هو الشئ الذی اصبح عالم الیوم اسیر قبضته. وان نزعنا التظاهر من عالم الیوم والحضارة المعاصرة، لن یبقى شئ منها. وعندما ننظر الى المبانی الجدیدة، فانها تموج بالتظاهر، من دون ان ترید الاعلان عن ذلك. ان طبیعة التظاهر لدى المعمار، تتجلى فی هذه العمارة. ان التنافس بین هذا المبنى مع ذاك المبنى واضح للعیان، لانه یرید ان یتظاهر بانه الافضل والاجمل. یتظاهر بانه اعلى واكثر تلونا وصلابة. ان مجمل العمارة وبناء المدن فی الوقت الحاضر، هو مرآة تعكس التظاهر، وان هذا التظاهر المتعلق بالعمارة والمبنى هو انعكاس للتظاهر الموجود فی المعمار، ان ادب المعمارین هو ادب التظاهر، وبما انهم یریدون التنافس والتظاهر وابراز تفوقهم، یجسدون هذا الحس والروح فی مبانیهم وعماراتهم.

إن عمارة العالم الغربی تتسم بالتظاهر وترید أن تظهر نفسها بانها الاعلى والارفع والاجمل.

ان كل وجوه العمارة والتخطیط الحضری والادب والسیاسة والاقتصاد وكل شاردة وواردة فی الحضارة الغربیة والتی القت بظلالها على العالم، تبدی ذاتها وطبیعتها السلطویة. لذلك فان روح التسلط والهیمنة السائدة فی الحضارة الغربیة، لا یمكن انتزاعها منه وهذا یشكل سببا خفیا ومبطنا لدخوله فی صراع ومواجهة مع العالم الاسلامی. بمعنى:

إن اردنا تلخیص الاسلام والعالم الحقیقی للاسلام والانسان والمسلمین فی كلمة واحدة، یجب القول بانها : "العبودیة".

إن اعتناق الاسلام یعنی أن یصبح الانسان عبدا، متواضعا والتخلی عن التظاهر والتزاحم.

وفی مقابل العبودیة، هناك الانانیة. لذلك فان صفة العبودیة ساریة فی الاسلام وفی سیرة المسلمین. وتتجلى العبودیة فی السنة الاسلامیة مثلما ان الانانیة بادیة فی سیرة المستكبر وسنته.

إن الشیطان فی العالم، هو مظهر الانانیة كلها والحجة الحی هو مظهر العبودیة كلها. وهذان التیاران ساریان فی الكون والوجود. ویقفان فی مقابل احدهما الاخر. وباقی الكائنات فی العالم تكتسب مكانتها ومنزلتها بقدر ما تستمد من قوة من هذین العاملین. فقطب هو قطب العبودیة التامة وقطب اخر هو الانانیة التامة. ویتحدد موقع ومكانة كل كائن فی هذا العالم ، الصغیر منه والكبیر، الانسان وغیر الانسان، وحتى الاشیاء بقدر قربه من مظهر العبودیة او قربه من مظهر الانانیة، بعبارة اخرى فان انتقائیة وامتزاج العبودیة والانانیة جاریان فی عموم البشر.

إن القرب الى الانبیاء والامام المعصوم علیه السلام، هو القرب الى مظهر العبودیة. وكلما ابتعد الانسان عن مظهر الانانیة كلما اقترب من مظهر العبودیة وكلما اقترب من مظهر الانانیة كلما ابتعد عن العبودیة.

وكانت مجلة "الثقافة والحیاة" قد خصصت عددها السابع فی عام 1971 لموضوع "ثقافة الشرق"، ونشرت اراء الدكتور احمد فردید. وكانت هذه العبارة الابرز من بین ارائه وشكلت المیزة الفارقة بین ثقافة الشرق والغرب. وقال:

"إن لب ولباب الكتب السماویة والوحی الالهی هو الشرق".
والمقصود هنا لیس التقسیم الجغرافی الموروث عن الغرب الذی یعتبر الشرق والغرب مجرد مفهوم جغرافی. ان "الشرق" حقیقة بینت فی الكتب السماویة وسمعها سكان الشرق ای المتلقین الرئیسیین والاولین للكتب السماویة واستأنسوا بها.

وهذه الحقیقة طمرتها الثقافة الغربیة على مدى عصور مختلفة تحت رماد وستار الفكر الیونانی وانتقائیة القرون الوسطى وبالتالی المذهب الانسانی فی العصر الحدیث، بحیث لم یبق منها سوى الطبیعة الاستكباریة والفرعونیة الهمجیة المعاصرة.

وتتآلف الثقافة الشرقیة بصفة خاصة مع منشأ لاهوتی وسماوی ودینی. وهذا هو على طرف نقیض من الثقافة الغربیة.

وقد تم فی القسم الاول من هذه المجموعة تبیان اوجه هذا الموضوع استنادا الى اقوال المفكرین الغربیین.

وإن كان الغرب قد امتثل واستسلم لاوامر ونواهی الانبیاء الالهیین واصبح عبدا، لكان تخلى عن ممارسة الحقد والانتقام من سائر العباد.

وفی الشرق الاسلامی فان المواجهة مع العالم الغربی قائمة بسبب الاستئناس بالعبودیة وثابتة فی طبعة والعالم الغربی یعرف ذلك.

وفی عالم التشیع تتجلى العبودیة بشكل اقوى لانها اقرب الى قطب العبودیة ومركزها وتتوسل الى امام عبد حیّ ومتكامل، وتنتظر ظهوره. وتعتبر انه منه ومنتم الیه. لذلك فانها تصمد بشكل اقوى واكبر بوجه التیار الاستكباری.

إن التیار الغربی یقف على طرف اخر من هذا التیار لانه یستند الى "مذهب السلطة". ویعتبر السلطة مبدأ ثابتا ویتكئ علیها ویطلبها بای وسیلة وثمن كان. ولهذا فانه یتسم بطباع هجومیة فی ای تعامل سیاسی. ان استراتیجیته السیاسیة هی استراتیجیة هجومیة. انه یقدس السلطة ویعتبرها منه وما ان یعتلی كرسی السلطة یرید ان یكون الاخرون اذلاء، ویحارب الذین لا یتبعون سلطته ولا یمتثلون لها. وكما انه یتكئ فی السیاسة على مذهب السلطة، یتكئ فی الاقتصاد على "مذهب الربح". ان مذهب الربح هو من قماشة مذهب السلطة لكنه یبرز فی الاقتصاد. ویعتبر الاستثمار الاكثر والربح الازید مبدأ فی الاقتصاد، وهذا الشئ یساعده على اكتساب المزید من القوة.

لذلك فان مذهب الربح یساعده على نیل السلطة وان هذین الاثنین (مذهب السلطة ومذهب الربح) متعلقان بالیهود. ان جوهر هذه المبادئ یهودیة وبما ان تاریخ الغرب هو تاریخ یهودی فانه لا یمكنه ان یتخلى عن مذهب السلطة ومذهب الربح لكن مذهب السلطة ومذهب الربح لا یشكلان شرطا للوجود والحیاة فی العلاقات الفردیة والاجتماعیة للشرق والعالم الاسلامی وعالم التشیع.

وفی الفكر الدینی، فان الغایة والهدف هو النجاة والفلاح والتقرب الى الله تعالى وهو ما یحصل عن طریق كسب الرضا الالهی.

وبما ان الانسان فی عصر غلبة الثقافة والحضارة الاستكباریة الغربیة، یعتبر نفسه هو الاله وبلا منازع، فانه لا یفكر الا بتوسیع نطاق سلطته. ویقول "فرانسیس بیكن": ان العلم لیس للوصول الى الحقیقة بل یجب ان ینتهی الى حیث یمنحنا القوة.

وفی مذهب الربح، فان الانسان یجب ان ینظر فی عمله دائما الى تحقیق الربح. ولا یجب ان ننسى بان العلامة الفارقة فی مذهب الربح هی "المتعة" التی تهیمن على الانسان وترضی نفسه الامارة.

ان التیار الاستكباری یستند فی الاخلاق الى النفس الامارة! لانه یمیل الى التمتع والافادة من مظاهر النفس الامارة. ان النفس الامارة هی التی تمیل الى التمتع باللذة والسلطة. وعندما ننظر فی میدان الثقافة والاخلاق نرى بان التیار الاستكباری هو تمثال النفس الامارة التی تتجلى فی اخلاق المستكبر وبالتالی فهی لا تطیق ای قید او ای حاجز وعقبة ولهذا السبب فانها تنتهك ای شریعة، لان الشریعة والدین یقفان حاجزا امام الروح الاستكباریة واللهاث وراء السلطة، فیما یرید المستكبر ازالة هذه العقبة عن طریقه، لذلك فانه یجعل المادیة تحل محل الدین. لان المادیة تتیح للمستكبر التمتع بالنفس الامارة. وفی هذا السیاق فانه ان اصبح فی مواجهة تیار دینی مثل المسیحیة فانه یسعى جاهدا لازالة المسیحیة بدلا من التسلیم بها او انه یحاول بای طریقة وخدعة كانت إفساد  المسیحیة وتحویلها الى علمانیة ودنیویة ومادیة.

وعندما یفسد المسیحی فانه لن یهتم بدینه ناهیك عن ان یشكل عقبة تعترض طریق التیار الاستكباری. بل انه یصبح بتصرف الاستكبار والیهود.

وعندما یحولون المسیحیة الى علمانیة، فانهم یفرغون هذا الدین من اعتباره. ان المسیحیة العلمانیة تعنی الدین الذی حاد عن معنویته واتسم بطابع دنیوی وانتزع منه الاعتبار القدسی.

لذلك فعندما ننظر الى المسیحیة المعاصرة نرى بانها تحولت الى العلمانیة على ید الجهاز الثقافی الغربی وافرغت من محتواها. لذلك فانها تجاری المستكبر. ولهذا السبب فان الاستكبار یسعى الى علمنة الاسلام ایضا ویوفد فی هذا السیاق الماسونیین الى العالم الاسلامی، وقد ارسلهم بالفعل.

ان الماسونیة والماسونیین هما طلیعة الاستیلاء الثقافی والسیاسی الغربی على العالم الاسلامی. وهذه هی مهمتهم. ولهذا السبب فانهم یقترحون علمنة الدین والثقافة ولذلك فانه عندما تواجه الغرب قبل نحو مائتی عام مع ایران ومصر وتركیا وادرك انه غیر قادر على التغلب علیها وعندما یرى بان الماضی التاریخی والثقافی لهذه الدول لا یسمح للاستكبار الغربی ان یتواجد بشكل مباشر ویقف ویصمد بوجهه، وعندما یرى بان علماء الدین والمرجعیة الدینیة فی ایران لا تسمح لهذا التیار الاستكباری ان یتواجد، كما ان الماضی الدینی العثمانی لا یسمح له بالتواجد فی ذلك البلد فانه یرسل طلائعه بدلا من اللجوء الى القوات العسكریة. ان اكثر الفرق الماسونیة نشاطا وفعالیة تواجدت وتتواجد فی هذه الدول. كما انها موجودة فی سائر الدول. لكن فی الشرق الاسلامی فان اكثر الفرق الماسونیة نشاطا وفعالیة كانت متواجدة فی مصر وایران وتركیا.

إن هدف الماسونیة هو افراغ الدین من محتواه الاصلی وابعاد العالم الاسلامی عن المفاهیم الدینیة المعمقة. بالضبط كالأرَضة التی تقرض الخشب من داخله وتبیده، لكنها تترك له ظاهرة الجمیل.

إن الماسونیة تضع الدین الخانع الجالس وعدیم الشریعة والتكلیف محل الدین الحقیقی والفعال. انها تنتزع من المتدینین الاقدام على اتخاذ موقف ضد الفساد وتحولهم الى اناس بلا أثر.

وإن اصبح الدین علمانیا، فانه یفرغ من محتواه. وهناك یبقى للدین واسم النبی والاداب الظاهریة واسم علماء الدین، ظاهره لكن عندما ننظر الى الدین بعمق نراه بانه افرغ من محتواه المعنوی. وانتزعت منه كرامته المعنویة. وانتزع منه اداؤه واصبح عدیم الجدوى والاثر وتحول الى وسام یعلق على الصدر.

إن الدین الذی انتزعت منه الشریعة والتكلیف والالتزام، یصبح عدیم الجدوى والاثر.

إن الماسونیین فی الشرق الاسلامی، یحافظون على التصوف لكنهم ینتزعون منه التكلیف ویحولونه الى الشئ الذی تطلبه النفس الامارة للیهودی الغربی.

إن هذا الدین الخانع النائم الذی لم تبق منه سوى الصورة والعنوان، یفید فقط كوسام للتفاخر وتعلیقه على الصدور ولا شئ اخر. ففی هذا الدین، لا معنى للتعهد والتكلیف والمجاهدة. ویصبح لا شان له لا مع الحیاة ولا الاجتماع ولا السیاسة ولا السلطة.

ومن هذا المنطلق نقول: ان الاستكبار الغربی یتكئ على النفس الامارة فی الاخلاق. ویسمح لنفسه بازالة الدین بوصفه عائقا وحاجزا من امامه.

إنهم جاؤوا بالماسونیة الى الشرق لازالة العقبة الكأداة التی تعترض طریق الاستكبار وذلك من خلال علمنة الدین. فضلا عن ترویج الفساد عن طریق إفساد المسلمین وفصلهم عن الدین وبالتالی تدمیرهم.

وأردنا من خلال بعض الاوجه الفكریة والثقافیة والتطبیقیة للغرب، الوصول الى نتیجة مؤداها بان الغرب وبعد سلوكه منعطفات وتقلبات كثیرة تحول الى تیار معتد من الناحیة الفكریة والثقافیة والتطبیقیة. وهذه النزعة السلطویة اصبحت جزء لا یتجزأ من حیاته وبالتالی لا نشاهد فیه اثرا من الصفات السامیة المتمثلة بالعبودیة. ان دراسة كیفیة حضور ونشاط الیهودیة فی الغرب وتقلبات المسیحیة منذ التاسیس وحتى الانحلال وفی النهایة نهضة الاصلاح الدینی وحركة النهضة على مدى الاعوام الاربعمائة الاخیرة، تساعدنا على فهم هذا الامر بشكل كبیر.

یتبع إن شاء الله    



نوشتن نظر