الحج لدى الديانات السماوية...

الحج لدى الديانات السماوية...

سه شنبه ۱۵ مرداد ۱۳۹۸ ساعت ۱۰:۰۰
امتیاز این گزینه
(0 آرا)

صحيح أن الديانات السماوية تختلف في التفاصيل إلا أنها تتلاقى فيما يخص العناوين العريضة للعبادات مثل الصلاة، الصوم إضافة إلى مفهوم "الحج".



إن فلسفة الحجّ وأسراره عميقة كونها ترتبط بروح الانسان ويؤدي ممارستها إلى الارتقاء نحو المعبود بشكل مباشر. وتعني كلمة «الحج» لغوياً «القصد» أو «التوجه إلى»، أما في الاصطلاح فقد شاع استعمالها بمعنى «التوجه لزيارة مكان مقدس دينياً للتبرك به»، في هذا السياق سنتعرف في هذا المقال على مفهوم الحج لدى الديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية.

 


الحج عند اليهود
الحج عندهم هو رحلة يقصد بها المؤمنون إلى مكان مقدس بظهور إلهي أو بنشاط معلم ديني من أجل تقديم صلاتهم في إطار ملائم لذلك بصفة خاصة، ويجري التمهيد للحج ببعض طقوس التطهير وتتم الزيارة في تجمع من شأنه أن يظهر للمؤمنين الجماعة الدينية التي ينتمون إليها.
وفرض التطور الزمني على اليهود مزارات متعددة متأثرين بالأقوام التي سبقتهم شكلا ومضمونا، كما حدث من اقتباس اليهود للمعابد الكنعانية والآشورية(1).
والعهد القديم يذكر لبني إسرائيل فرض الحج بالمعنى الحصري في قول سفر التكوين: "ثم قال الله ليعقوب قم اصعد إلى بيت إيل وأقم هناك مذبحا لله الذي يظهر لك حيث هربت من وجه عيسو أخيك".
وكذلك في سفر الخروج: "على كل يهودي أن يحج إلى المعبد المقدس ثلاث مرات في السنة وجاء في سفر الخروج ثلاث مرات يعيد لي في السنة، ويقول أيضا ثلاث مرات في السنة يظهر جميع ذكورك أمام السيد الرب إله إسرائيل".
وتقول الموسوعة اليهودية: "إن أداء الحج فرض على الذكور فقط دون الإناث والقاصرين والعميان والعرجان والمسنين، والمريض بالعقل والجسم، وكل شخص عليه أن يقدم شيئا لم يحدد قيمته".
إن هذا التشريع لم يعمل به اليهود اليوم، يقول الحاخام روبين: "يحج الجميع اليوم إلى القدس المدينة المقدسة حيث حائط المبكى، الذي يعده بديلا للهيكل والمعبد اللذين لا وجود لهما الآن". ويضيف كل من ناجي سليمان وعزرا درويش عضوا الطائفة اليهودية الموسوية في العراق قولهما: "في الوقت الحاضر لا يعتبر الحج واجبا ملزما اختياريا على كل يهودي ذكر أو أنثى، شابا أو شيخا"(2). من جهته ينقل الدكتور أحمد شلبي في كتابه اليهودية عن مؤلف الموسوعة اليهودية قوله: "إن كل يهودي رشيد يتحتم عليه أن يزور بيت المقدس مرتين في العام، وأن يبقى أسبوعا كل مرة، ويبدأ الأسبوع يوم الجمعة.."(3).
ويحرم اليهود في الطواف دخول النجس وأشعث الرأس ومخرق الثياب إلى بيت المقدس، وعلى كل زائر أن يقدس أي ينظف يديه ورجليه. ولتعظيم البيت عظم خدامه، فجعل للكهان أجمل زي وأحسنه(4). أما الأعياد المرتبطة بالحج التي تقام في أورشليم هي: عيد الفصح، عيد المظال، عيد الأسابيع (العنصرة).

الحج عند المسيحيين
يعتبر المسيحيون أن الحج رحلة إلى مرقد القديس أو زيارة إلى مكان مقدس آخر. وتتم ممارسة هذا الطقس لدوافع مختلفة، فهي لأجل الحصول على المساعدة الروحية أو لأجل القيام بصيام التشكر(5). إن المتطلع إلى التاريخ المسيحي يجد أن الأمر بدأ عندما أدى بولص الرسول حج العنصرة بعد رفع السيد المسيح بخمس وعشرين عاما.
بعد ذلك وفي عهد قسطنطين 306م بدأ المسيحيون بالاهتمام بالأماكن التي ارتادها السيد المسيح، وكذلك بأضرحة القديسين، فنظموا لها طقوسا خاصة فرض على روادها الالتزام بها. واهتموا بكافة سبل الراحة للحجيج ما يسهل عليهم أداء هذه الشعيرة والحصول على البركات من الكاهن الذي يرتدي ملابس خاصة مميزة بهذه المناسبة، وعند انتهائه من أداء الشعائر يضع الحاج شارة تدل على المرقد الذي زاره، وطوال رحلة العودة يجد الحاج أماكن عديدة خصصت لخدمته وراحته.
واتخذ الحجاج شعيرة الحج طريقا للتكفير عن الذنوب، ووسيلة يتم التقرب بها إلى ما يتمنى الحاج تحقيقه من طلبات، كالشفاء من المرض.
من جهتها الكنيسة الكاثوليكية، تعرف الحج بأنه أعمال ذات قيمة دينية وتعتقد بأن الحجاج يستحقون مكافأة سماوية. ونظرا لشدة اهتمام الكاثوليك بالحج فقد اعتنوا بطقوسه وأولوها اهتماما بالغا. وأشهر مزاراتهم القدس وروما حيث استشهد القديس بطرس وضريح القديس بولص.
أما الأرثوذوكسية فلها أيضا مزارات عدة منها إضافة إلى أورشليم دير ثالوث الأقدس في كيان(6)، ومزار القديس ألكسندر تفسكوي قرب بطرسبرج(7).
وعلى العموم فقد أصبح لكل مسيحي مزاراته الخاصة، يزورها مع عائلته، تمثل في غالبيتها رفات قديسيهم أو الأماكن التي ارتادها السيد المسيح وأمه البتول(8).
الأب أبو كسم: "كنيسة القيامة وكنيسة المهد من المرتكزات الأساسية للحج المسيحي"
وأكد رئيس المركز الكاثوليكي للإعلام الأب عبدو أبو كسم – أثناء مداخلة مع وكالة "شفقنا" – ما ذكر سابقا بأن الحج موجود في الديانة المسيحية على أنه الذهاب إلى أماكن مقدسة أبرزها وأهمها الأراضي المقدسة قبل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حيث قبر السيد المسيح في كنيسة القيامة في القدس وكنيسة المهد في بيت لحم، موضحا أنه كانت قوافل عديدة من لبنان والعالم العربي تحج إلى هناك. وأضاف: "الحج مسيرة توبة من مكان معين إلى مكان آخر سيرا على الأقدام مصحوبا بالصلاة من قبل الحجاج، وعند الوصول يتم التبرك والصلاة والدعاء ليعودوا مباركين".
وبالنسبة إلى وجود أماكن أخرى في العالم غير فلسطين قال: "هناك أماكن أخرى للحج المسيحي مثل قبر القديس بطرس وبولس في روما، موضحا أن هناك أماكن مقدسة عدة يمكن التوجه إليها بحيث كل منطقة لها خصوصيتها، ولكن المرتكز الأساسي ما تم ذكره في فلسطين وروما".

الحج عند المسلمين
قال الله تعالى: "وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلا"(9)، تعد فريضة الحج من الفرائض الكبرى في الإسلام، وهي أحد الأركان الخمسة التي بني عليها هذا الدين. ويقول المسلمون أن هذه الفريضة بدأت منذ زمن نبي الله إبراهيم بأمر من الله تعالى وذكر القرآن الكريم ذلك:" وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡ‍ٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُود"(10). وخصص الله تعالى شهر ذو الحجة من بين الأشهر الهجرية لأدائها وقال تعالى في كتابه الحكيم:" ثُمَّ لۡيَقۡضُواْ تَفَثَهُمۡ وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ"(11)، ويعنى بالبيت العتيق هنا الكعبة الشريفة حيث يطوف حولها المؤمنون.
وللحج عند المسلمين شروط منها البلوغ، كمال العقل إضافة إلى الإستطاعة. وحدد أعمالها على الشكل التالي: إحرام الحج – الوقوف بعرفات – المبيت بالمشعر المزدلفة – واجبات يوم العيد وبعض مستحباته (رمي جمرة العقبة، الذبح والنحر في منى، الحلق أوالتقصير) – طواف الحج وصلاته والسعي – طواف النساء وصلاته – واجبات منى بعد نهار العيد وبعض المستحبات.
وروي عن الرسول (ص) قوله في الحج: "هو أحد الجهادين، هو جهاد الضعفاء ونحن الضعفاء، أما إنه ليس شيء أفضل من الحج إلا الصلاة.."(12). وقال الإمام زين العابدين علي بن الحسين (ع): "حجوا واعتمروا تصح أبدانكم، وتتسع أرزاقكم، وتكفون مؤنات عيالاتكم"(13). وعن الباقر (ع): "من نظر إلى الكعبة عارفا بحقها، غفر الله ذنبه، وكفي ما أهمه"(14).
إن في الحج أسرار ومعارف تحير الألباب لأثرها البالغ في تهذيب النفس الإنسانية بأنوار الله تعالى، وتطهيرها من الذنوب والآثام، وذلك لا يتحقق إلا بالإنقياد لله تعالى، والوقوف بين يديه متصاغرا، معترفا بنعمه وآلائه التي لا تحصى.

 

وفاءحريري

المراجع:
1. كتاب "العبادات في الأديان السماوية: اليهودية – المسيحية – الإسلام/ عبد الرزاق رحيم صلال الموحي"، ص116.
2- المصدر نفسه، ص117.
3- كتاب "مقارنة الأديان: اليهودية/ أحمد شلبي"، ج1 – ص310.
4- كتاب "العبادات في الأديان السماوية: اليهودية – المسيحية – الإسلام/ عبد الرزاق رحيم صلال الموحي"، ص121.
5- كتاب "موسوعة الفرق في الأديان السماوية الثلاثة: المسيحية واليهودية/ أحمد حسن القواسمة، زيد موسى أبو زيد"، ج2-3 – ص124.
6- سرغيايف بوساد إحدى مدن روسيا في الكيان الفدرالي الروسي موسكو أوبلاست، وفي المدينة آثار ثقافية وفنية مثل "لافرا الثالوث والقديس سيرجيوس" المدونة في سجل التراث العالمي لمنظمة اليونسكو.
7- سانت بطرسبرغ والتي عرفت سابقاً باسم لينينغراد وباسم بيتروغراد، وهي مدينة روسية تقع في شمال غرب روسيا وتعتبر أحد أكبر مراكز أوروبا الثقافية.
8- كتاب "موسوعة الفرق في الأديان السماوية الثلاثة: المسيحية واليهودية/ أحمد حسن القواسمة، زيد موسى أبو زيد"، ج2-3 – ص125.
9- سور آل عمران، آية 97.
10- سورة الحج، آية 26.
11- سورة الحج، آية 29.
12- كتاب "تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة/ الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي"، ج11 – باب 41 ص111.
13- المصدر نفسه، باب 1 ص9.
14- كتاب "مجالس الحج والعمرة: محاضرات في آفاق الحج والعمرة وأبعادهما/ الشيخ فيصل الكاظمي"، ص23.


المصدر: https://ar.shafaqna.com/AR/195105/


نوشتن نظر