سجون الغرب.. أرض «داعش» الخصبة لتجنيد المزيد من المقاتلين

سجون الغرب.. أرض «داعش» الخصبة لتجنيد المزيد من المقاتلين

پنجشنبه ۰۳ خرداد ۱۳۹۷ ساعت ۰۳:۵۰
امتیاز این گزینه
(0 آرا)

تلك الصورة الرائعة عن «مالكوم إكس» الذي وجد الله والإسلام أثناء مكوثه في السجن؛ جسدتها الدراما وقصّها التاريخ في إطار رومانسي حالم، وربما صورة أخرى لضابط شرطة أمريكي يدعو الله قبل الخروج في مهمّة، ويردّد وراءه زملاؤه الدعاء، هي صورة تبعث السلام والأمل في النفس، خاصة عندما تدرك أن الإسلام ينتشر في سجون الولايات المتحدة الأمريكية انتشارًا سريعًا؛ بين الأفرو-أمريكيين بالخصوص.



ولكن بخلاف هذه الصورة المُسالمة توجد بعض من الحقائق؛ يصعب على العالم إغفالها، وهي البيئة الخصبة بالسجون الأمريكية وغيرها من الدول الأجنبية، والتي تسمح بنمو تيار راديكالي وعنيف في السجن؛ يروّج للأفكار الدينية المتطرفة في نظر البعض؛ الأمر الذي جعل البعض يطلقون على بعض السجون «جامعة افتراضية للإرهاب».

الإسلام.. باب للخروج!

أحيانًا تكون الحياة بعد الخروج من السجن أقسى من حياة السجن نفسه، فنظرات الجيران المليئة بالاتهامات والاشمئزاز من الشخص المسجون، وأماكن العمل التي ترفض تعيين بعضهم لسوابقه الإجرامية، وأصابع المجتمع التي تشير طوال الوقت إليه وتذكّره بفعلته حتى وإن كان دفع ثمنها بالفعل، ولذلك يبحث الكثير من سجناء الولايات المتحدة الأمريكية عن باب جديد للخروج؛ يمنحهم الأمل بوجود حياة بعد السجن.

عبد المهيمن أثناء خطبته الأولى بعد خروجه من السجن مباشرة

تواصلت «ساسة بوست» مع أحد السجناء السابقين في سجون الولايات المتحدة الأمريكية، والذي اعتنق الإسلام دينًا له أثناء تواجده خلف القضبان، واختار لنفسه اسم عبد المهمين منذ أن حوّل دينه للإسلام، وقد أخبرنا في بداية حديثنا معه أن اختياره للإسلام كان من أجل «وضع حياته على المسار الصحيح»؛ مؤكدًا أنه لا يرى  انتشار الإسلام في سجون أمريكا  أمرًا غريبًا؛ فطالما كان الإسلام متواجدًا في أمريكا وبقوة، منذ أن جُلب «العبيد» – خاصة المسلمين –  من أراضيهم في غرب أفريقيا إلى الأمريكيتين.

أمريكا في حاجة لفهم واستيعاب الدين الإسلامي؛ لأنه الطريق الوحيد لتخليصها من العنصرية» *مقولة لمالكوم إكس.

وفي إحدى حلقات البرنامج الذي تنتجه شبكة «سي إن إن»، «This Is Life» مع الإعلامية ليزا لينج، قُدّمت صورة إيجابية من داخل أحد السجون الأمريكية عن أسباب انتشار الدين الإسلامي خلف قضبانه. النماذج التي عُرضت في الحلقة التسجيلية لم تتضمن سجناء فقط، بل كان هناك حالة لضابط تعرض للاغتصاب وهو صغير، ومن ثم جُرّت حياته لدوامة من تجارة المخدرات وتعاطيها في فترة المراهقة؛ حتى أنقذه الإسلام – كما يؤكد في البرنامج – وهذا ما يجعله متحمسًا لإنقاذ المزيد من السجناء الذي لم يتركبوا خطأ – من وجهة نظره – سوى الفقر الذي جعلهم ينشؤون في بيئة تفسد المراهقين.

وتتبع الفيلم حالةً لسجين لا زلت والدته متمسكة بديانتها المسيحية، وعبرّت عن فزعها من ميول ابنها الجديدة ولحيته الطويلة الغريبة، ولكن كل ما تمنّته الأم أن يبعده هذا التوجه الجديد عن الإجرام؛ حتى وإن لم تعترف بهذا التغيير باعتباره دينًا يمكنها مشاركة ابنها إياه. تلك الحلقة التي عُرضت خلال العام الماضي، أظهرت الكثير من الجوانب الإيجابية عن إنتشار الإسلام في سجون أمريكا، ولكن الواقع خلف تلك الحلقة أكثر تعقيدًا.

هل السجن «جامعة افتراضية للإرهاب»؟

في حين يرى البعض أن الإسلام في السجن قد يكون طوق نجاة للضعفاء؛ البعض الآخر يراه بيئة خصبة وصالحة لتغذية الأفكار المتطرّفة، وقد كان سجن بوكا بالعراق من أهم الأمثلة الذي يستشهد بها كل خبير استراتيجي يريد تحذير العالم من خطورة انتشار الإسلام في السجون التابعة للبلاد الأجنبية؛ خاصة سجون أمريكا، نظرًا لأنها تتضمن أكبر نسبة من المسلمين في سجونها.

لو لم يكن هناك سجن أمريكي في العراق؛ لما خرجت داعش للحياة، لقد كان سجن بوكا مصنعًا لتلك الجماعة. *تصريح لأحد رجال البغدادي لجريدة الواشنطون بوست.

سجن بوكا اتخذه أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم الدولة الاسلاميّة (داعش)؛ مقرًا لأعماله الهادفة لتأسيس الدولة الإسلامية التي يرى نفسه خليفة لها، ومن خلال حوار أجرته جريدة «واشنطون بوست» مع أحد رجال البغدادي؛ كشف من خلاله الدور الكبير الذي لعبه سجن بوكا بالعراق لتكوين تلك الجماعة؛ حينما اعتقلته قوات الجيش الأمريكي بداية من عام 2004.

قبل اعتقاله، كان البغدادي وأتباعه من المسلّحين المتطرّفين عازمين على مهاجمة أمريكا، ومن وجهة نظر أستاذ التاريخ والخبير الاستراتيجي أندرو تومبسون؛ أن الوقت الذين عاشوه داخل السجن الأمريكي في العراق؛ أعطاهم الوقت الكافي لتطوير فكرهم المتطرّف، ويرى أندرو أن تلك السجون الأمريكية كانت بمثابة جامعة افتراضية للإرهاب: حيث المعتقلون الخطيرون يمثلون الأستاذة، بينما المعتقلون ضعاف النفس يمثلون الطلاب، ولعبت سلطات السجن الأمريكي – كما يؤكد أندرو في مقالته بالنيويورك تايمز- دور الحارس الغائب الغافل.

هل صنع السجن مُسلّحي «شارلي إبدو» في فرنسا؟

وفي تقرير نشرته «الجارديان» عن الواقعة شارلي إبدو التي راح ضحيّتها 12 قتيلاً و11 مصابًا بعد أن أطلق مسلّحون النار على مقرّ الصحيفة المعروفة برسوماتها الساخرة من الدين الإسلاميّ، تحت عنوان «منفّذو عملية شارلي أيبدو نشؤوا وترعرعوا وجُندوا لصالح الإسلام الراديكالي بفرنسا»؛ أوضح أهمية الدور الذي لعبه السجن في تحويل شريف كواشي وسعيد كواشي – وهما المنفّذان الرئيسيَّان للعمليّة حسب السلطات الفرنسيّة – من مجرميْن عادييْن إلى «إرهابيين» محترفين.

ففي بداية حياتهم كانت جرائمهم ساذجة – كما ذُكر في التقرير – ما بين توزيع المخدرات ومشاجرات الشوارع، ولكن فترات ترددهم على السجن حيث مجموعة من المتطرفين؛ ساهمت في تطوير توجهاتهم وتوجيه طاقة الغضب من العنصرية والفقر في قلوبهم؛ إلى من أطلقوا عليهم «أعداء الدين»؛ ليكون السجن هو الذي منح الأدوات الكاملة لاثنين ضعيفي النفس، وجدا من يؤكد لهم أن هناك من يرحب بهم ليشعرون للمرة الأولى بالأمان؛ مستخدمين – من جندوهم- الإسلام راية لهم من أجل تنفيذ مخططات إجراميّة.

إنجلترا.. سجنٌ داخل سجنٍ لمن نصّب نفسه أميرًا

الأمر لم يتوقف على سجون أمريكا و وفرنسا؛ فصحيح أنّ أمريكا قد تحوي النسبة الأكبر من المتحوّلين للإسلام داخل السجون؛ إلا أن بعض الدول الأوروبية تواجه نفس الأزمة الخاصة بنشأة الأفكار المتطرّفة ونموها نموًا سريعًا داخل السجون، وهذا من خلال استغلال النفوس الضعيفة للشباب الذين ينقصهم الانتماء، بسبب ما عانوه من فقر وتشرد ومعاملة عنصرية، ولذلك فإن أكبر نسبة من السجناء الذين يتحولون للدين الإسلامي يكونون من الأفرو-أمريكيين أو أعراق أخرى تعرضت للعنصرية في تلك البلاد.

يؤكد مارك هام، أستاذ علم الجريمة في جامعة ولاية إنديانا الأمريكية، أنّ السجون أثبتت كونها مصنعًا ناجحًا في تكوين العناصر الدينية الرادكالية، وقد استشهد بالعنصر المسلّح ريتشارد ريد الذي لُقب بصاحب الحذاء الناسف عام 2001؛ والذي حوّل ديانته للإسلام أثناء تواجده في السجن البريطاني.

ومن التحديات التي تواجهها إنجترا الآن هي انتشار ظاهرة ما يوصفون بـ«دعاة الدين المتطرّفين» في السجون، والذين ينشرون الكراهية تجاه من يسمونهم «أعداء الإسلام». وقد أطلق الإعلام على هذا النوع من الدعاة لقب «من نصّب نفسه أميرًا»؛ وهذا لأن هؤلاء الدعاة يسعون لأن يكونوا أمراء للإسلام داخل السجون؛ ويعملون على نشر التيار الإسلامي الراديكالي في نفوس من يتحمس للدخول في الدين الإسلامي.

هذا الشخص الذي ينصب نفسه أميرًا للإسلام في السجن عادة ما يكون له شخصية قوية تنجح في التأثير على الآخرين من ضعيفي النفوس، وقد وثّقت أكثر من وقعة داخل السجون البريطانية عن رغبة هؤلاء الأمراء في السيطرة على كل المسلمين في السجن، وهذا من خلال ترهيب ومهاجمة إمام السجن الذي يعمل على نشر الوعي الصحي بالدين الإسلامي ومراقبة المسلمين والعمل على حمايتهم من أي تيار راديكالي، وقد رأت الحكومة البريطانية خطورة شديدة في انتشار هذا النوع من الأمراء.

التطرف الإسلامي يشكل خطرًا على المجتمع، ويهدد السلامة العامة، ويجب أن يهزم أينما وجد، وأنا ملتزم بمواجهة ومكافحة انتشار هذه الأيديولوجية- الراديكالية- السامة خلف القضبان *تصريح لوزير العدل البريطاني في عام 2016.

وفي إطار محاربة تلك الظاهرة؛ قررت الحكومة البريطانية ضرورة عزل هؤلاء الأمراء أو دعاة الكراهية في سجون منفصلة ومعزولة عن باقي سجناء المسلمين العُرضة للتأثر بهذا التيار العنيف، هذا بالإضافة إلى منع أي منهم حضور صلاة الجمعة نظرًا لاستخدام خطبتها منصةً لنشر العنف والأفكار المتطرفة والتي تعادي المجتمع البريطاني وعاداته، وهو أمر تسعى فرنسا إلى تحقيقه أيضًا بعد ما عانته في وقعة شارلي إبدو ووقعة الهجوم على المحل التجاري «كوشر» وقتل ما يقرب من سبعة أشخاص؛ بنفس الشهر في عام 2015

عزل سجين في غرفة منفردة داخل السجن لا يمنعه من التواصل مع باقي السجناء؛ إذا صاح من النافذة سيسمعه الآخرون، أو سيمرر لهم رسائل ورقية بأكثر من طريقة *أكد جيمي ديليست رئيس سجن نانتير الفرنسي

ولكن في المقابل يرى البعض أن تلك الخطوة لن تحد من خطورة تواجد قادة يروجون لهذا الفكر العنيف داخل السجون الأوروبية، وقد أكد جيمي ديليست رئيس سجن نانتير الفرنسي؛ أن عزل من يطلقون على أنفسهم أمراء الإسلام في السجون الأوروبية ويسعون لنشر التيار الإسلامي الراديكالي؛ في غرف منعزلة بنفس السجن مع أشخاص أبرياء عرضه للتأثر بهذا الجو السام؛ ليس حلًا جذريًّا ولا يمنع حدوث المزيد من عمليات التجنيد والمزيد من عمليات الإرهاب خارج السجن.

ومع كل ما يواجهه من يحوّل دينه للإسلام داخل سجون أمريكا؛ يخبرنا عبد المهيمن أنه لا يخشى من توجهه الديني الجديد أثناء تواجده خلف القضبان، وهذا لأنه يرى هذا الدين مبني على الحق، وهذا – من وجهة نظره- واحدًا من أهم أعمدة هذا الدين، وطالما – يؤكد عبد المهيمن- ما يفعله في حياته باعتباره مسلمًا يوازي طريق الحق؛ فهو ليس لديه ما يخشاه وأن الله يحميه.

أما عن من يستخدمون الإسلام ذريعة لتنفيذ مخططات سياسية أو إرهابية؛ فيرى عبد المهيمن أنهم يتسببون في قتل المسلمين واضطهادهم أكثر من كارهي الإسلام أنفسهم، وأكد أن فكرة الغرب وباقي العالم عن ارتباط العنف بالدين الإسلامي؛ لن تتغير إلا إذا توقف الإرهاب عن رفع شعار الدين الإسلامي وكأنه يحارب تحت رايته، ولا يجب أن تتنظر من الآخرين – يؤكد عبدالله – أن يكتشفوا بأنفسهم أن هذا الإرهاب لا يمثل الدين الإسلامي الحق؛ فتلك هي مهمة المسلمين، ولن تتحقق إلا إذا اتبع كل المسلمين في العالم طريق النزاهة والكرامة؛ وقتها فقط يمكننا أن نتوقع نظرة أفضل للإسلام في أعين العالم كله.

هل تنضمّ أستراليا لقائمة الخطر؟

في بداية هذا العام 2018؛ انضمت أستراليا إلى قائمة الحذرين من انتشار الدين الإسلامي في السجون؛ حيث بدأ الكثير من السجناء بالاهتمام بالتعرف على الإسلام واعتناقه، فهل تتحول سجون أستراليا إلى تربة خصبة جديدة لنمو تيّار دينيّ متطرّف

وفقًا للـ«الجارديان»؛ أحدثُ معلومات متاحة للعامة عن تعداد المسلمين في سجون أستراليا، تشير لكونهم ما زالوا أقلية داخل السجون، ولكن تلك الأقلية تنمو سريعًا، وهذا ما أكّده روبي مايستراشي، أحد المسئولين عن سجناء المسلمين وعضو في المجلس الإسلامي في ولاية كوينزلاند بأُستراليا؛ والذي من مهامه الثابتة زيارة أسبوعية لمن حوّلوا ديانتهم للإسلام في سجون أُستراليا.

اليوم الوطني للسجين

ويتمحور عمل روبي مايستراشي حول متابعة الحالات التي تختار الإسلام بابًا للخروج من الحياة المتهورة، وقد أكد أن هناك الكثير من المقبلين على الإسلام ولا يوجد في نيتهم أي رغبة أو نزعة وراء ترويج التيارات المتطرّفة، وأن الحالات التي تعامل معها في سجون أُستراليا كانت لرجال وجدوا في السجن الوقتَ الكافي لمراجعة أفعالهم وجرائمهم التي ندموا عليها، ويبحثون بحثًا محمومًا – كما أكّد – لطوق نجاة يأخذهم إلى بداية جديدة تمحو سجلّهم الإجرامي من عقول المجتمع.

وقد وجدوا – كما أكد روبي- في مفهوم التوبة بالإسلام هذا الطوق الذي تشبثوا به، ويرى روبي أن مهمته هو والمسئولين بالسجون هو حماية هؤلاء السجناء الباحثين عن حياة جديدة من أي تهديد قد يبشر باستغلالهم في تحقيق أي مخططات عنيفة تحت راية الإسلام.

ولذلك تتم متابعة تلك الحالات في أستراليا متابعة دقيقة، وتوفير عمل شريف لهم بعد خروجهم من السجن، وهذا على الرغم من تأكيد روبي في تصريح للـجارديان أن التخوّف من تحول كل مسلم في السجن إلى إرهابي هو خوف «مبالغ فيه» مؤكدًا من خبرته في التعامل مع سجناء أُستراليا الذين دخلوا الإسلام؛ إنه لم يظهر على واحد منهم أي علامات للعنف أو الرغبة في تنفيذ مخططات إرهابية متطرفة؛ بل إن الأمر – كما أوضح – هو عبارة عن وسيلة نفسية بالنسبة لهم للوصول للسلام الداخلي.

«أنت بعيد عن كل من يعرفونك ويحبونك؛ وتكون في أمس الحاجة للحديث مع شخص عن شيء يجمعكم» يشارك روبي الصحافةَ تلك الجملة من أحد الخطابات التي تسلّمها من سجين حوّل ديانته للإسلام، موضحًا – روبي – أن في كثير من الأحيان يكون اللجوء للإسلام من ميكانيزمات الدفاع النفسي؛ للهروب من عوالم السجن القاسية والتي يؤذي فيها القوي الضعيف مثل الغابة.

على الجانب الآخر يرى كلارك جونز أحد الباحثين في جامعة أستراليا؛ أنّه كلما كانت ظروف السجن قاسية؛ كانت تربة خصبة لظهور تيار الديني المتطرّف، وترويج المفاهيم العنيفة المتطرفة تحت راية الإسلام، وقد استشهد في دراسته التي من المفترض أن تُنشر هذا العام؛ بسجن منطقة مانيلا الكبرى وسجن بيليبيد الجديد بالقرب من العاصفة الفليبينية.

هكذا ينام السجناء في سجن مانيلا. مصدر الصورة جريدة التايم

وقد اختار تلك النوعية من السجون نظرًا لازدحمها الشديد؛ مما يوفّر ظروف سجن قاسية وغير مريحة، إلى جانب تواجد عناصر  تنتمي لهذا التيار العنيف داخل السجن؛ مما يجعل من تلك الأمثلة درسًا مهمًا – كما أكد كلارك – للحكومة الأسترالية حتى تتجنب كل الظروف القاسية والمتطرفة في تلك السجون، وتحافظ على مسيرة اعتناق الإسلام في سجون أستراليا؛ تحت حماية الدولة وبعيدًا عن أي تأثيرات فكرية عنيفة.

«حركة راحة المسلمين».. هل يُسلم البعض ليحصلوا على المزيد من الطعام؟

قد يلجأ أحدهم للإسلام خلف القضبان للبحث عن هوية جديدة تشعره بالانتماء لمجتمع لديه القدرة على التسامح والغفران، وربما يُجر البعض للإسلام من أجل تنفيذ مخططات أكبر من استيعابهم للأمر، ولكن كذلك هناك بعض الأسباب التي لا تمت للعقيدة بصلة ولا للإرهاب أيضًا؛ والتي دفعت البعض لتحويل ديانتهم للإسلام داخل السجن، وهذا بعد ظهور حركة في السجون تحمل اسم «راحة المسلمين».

جيمس سبنسر تشرتشل أو «دوق مارلبورو» أحد الأرستقراطيين بإنجلترا؛ سُجن من قبل لتورطه في جرائم شملت تجارة المخدرات والسرقة، وعندما حل ضيفًا على السجن البريطاني لم تعجبه الأحوال كثيرًا خاصة فيما يخص الوجبات المقدمة للسجناء، ولذلك – كما صرح للإعلام – انتظر حتى انقضى شهر رمضان؛ وأعلن عن رغبته في تحويل ديانته إلى الدين الإسلامي؛ وهذا من أجل الحصول على وجبات طعام أفضل، وقبل أن يعود رمضان مرة أخرى؛ خرج جيمس من الإسلام حتى لا يضطر للصيام.

ولكن المتحدثة باسم أحد السجون ببريطانيا أكدت أن تلك الفكرة المغلوطة عن منح امتيازات لمن يعتنقون ديانة ما؛ هي لفكرة شائعة، فمن حق كل سجين أيا كانت ديانته أن يختار وجبة حلال ضمن قائمة وجباته، ولا يحدث تفريق في أي شيء يخص الطعام بين السجناء إلاّ وقت شهر رمضان نظرًا لاتباع سجناء المسلمين حمية مختلفة في هذا الوقت من السنة.

ولكن الطعام ليس الحافز الوحيد الذي يدفع السجين للإسلام، فهناك وعود أخرى يتحقق بعضها، مثل إعفاء السجناء من مهامهم الوظيفية في السجن يوم الجمعة لكونه يمثل يومًا للتعبد لدى المسلمين، هذا إلى جانب أوقات الراحة التي ترتبط بالخمس صلوات يوميًا؛ بالإضافة إلى مطالبة «راحة المسلمين» بالمزيد من أوقات التنزه خارج الزنزانة للسجناء المسلمين.

وحذّرت السيدة آن أويرس كبير المفتشين بأحد السجون البريطانية، أن هذا التدفق الذي يحدث داخل السجون تجاه الدين الإسلامي يضعهم في مأزق؛ لأنهم في حاجة ماسّة لمراقبة كل من يغير ديانته للإسلام وحمايته من الانجراف في التيارات المتطرّفة، وهذا يضع السجناء تحت ضغط نفسي نظرًا لأن بعض حراس السجون – تعترف آن – يعاملون كل مسلم على كونه إرهابيًّا محتملًا؛ الأمر الذي قد يجعل المسلم المعتدل يتجه للاتجاه المتطرف طالما أنه يُعامل باعتباره واحدًا منه بالفعل.

وهنا تكمن مسئولية إمام السجن الذي تسند له مهام تفوق قدرته على السيطرة، ويؤكد الإمام صلاح حميدي، أحد أئمة سجون فرنسا؛ أن عادة ما يشعر الإمام في السجن أنه بين كفيّ الرحى؛ لأنه يريد أن يقدم الوعي الديني والروحاني لمن انضم جديدًا للإسلام، وفي نفس الوقت عليه أن يساعد إدارة السجن في الكشف عن أي سجين بدأت أفكاره في الانجراف مع تيارات إسلامية عنيفة، خاصة بعد واقعتي تشارلي إيبدو والمتجر اليهودي، حينما تأكدت السلطات الفرنسية – كما أشار صلاح – أن السجن كان له دور كبير في نمو هذا العنف.

وهذا ما دفع السلطات بفرنسا إلى تعيين 60 إمامًا في السجون تكون مسئوليتهم الأساسية الكشف عن أي احتمالية لتكرار تلك الحادثة، ولكن أيضًا يرى الأمام  – كما يؤكد صلاح – أن مهمته في نشر الوعي الديني لمن هم في حاجة له؛ لا تقل أهمية من محاربة الإرهاب داخل السجون، فالعون الذي يقدمه للسجين المسلم في معرفة الدين الإسلامي الصحيح سيكون الدرع الواقي له بعد الخروج من السجن، حينما تعجز السلطات على وضعه تحت المنظار طوال الوقت.

مؤسسة «Tayba».. تساعد ولا تَعِظْ

يوافق صلاح الرأي، رامي نصور أحد الأئمة والمستشارين للمسلمين بالسجون الأمريكية بالتعاون مع مؤسسة «Tayba»، وأكد – رامي – في تقرير كتبه للإعلام، أن التعامل مع الوافدين الجدد على الدين الإسلامي في السجون، يجب أن يكون حذرًا لأن معظمهم قد لجأ للإسلام للهروب من العنصرية والاضطهاد والفقر الذين زجوا بهم في السجن ببداية الأمر؛ ولذلك إذا تم التعامل معهم على أنهم إرهابيون محتملون سيكون مصيرهم المزيد من التطرف والجرائم.

ويؤكد رامي أن ترسيخ مبدأ التوبة في نفوس من يحوّل للإسلام في السجن، هو من أهم الركائز التي يجب الاعتماد عليها حتى يخرج السجين إلى الحياة بعد انقضاء مدة عقوبته؛ وفي قلبه أمل حقيقي لبداية جديدة، ولذلك يؤكد رامي تعاونه مع مؤسسة «Tayba» على مدار 14 عامًا؛ من أجل توفير حياة أفضل للمنضمين للإسلام بعد خروجهم من السجن.

وأوضحت إدارة مؤسسة  «Tayba» لـ«ساسة بوست» أن المؤسسة لا تسعى لنشر الدين الإسلامي في السجون الأمريكية؛ فهي مؤسسة تقدم الخدمات الإنسانية والتنموية لكل السجناء من كل الأديان ومنهم المسلمين، والدور الذي تسعى المؤسسة لتحقيقه هو توفير الحماية لكل من يدخل في الإسلام؛ من أي أفكار راديكالية قد يحاول أحد تمريرها له داخل السجن أو خارجه، ولم يكن اقتناعهم في هذا الشأن صعب؛ نظرًا لأن كل واحد منهم دخل في الإسلام بالأساس حتى يتجنب حياة الجريمة والخطأ، فكل ما قبلناهم حتى الآن – تؤكد إدارة المؤسسة – يهدفون إلى إرضاء الله، والبعد كل البعد عن الشر.



امیرة الدسوقي

نوشتن نظر