الإسرائيليات في التراث الإسلامي

الإسرائيليات في التراث الإسلامي

چهارشنبه ۰۱ دی ۱۳۹۵ ساعت ۱۹:۰۵
امتیاز این گزینه
(0 آرا)

إن الأدیان السماویة التي فرضها الله عز وجل علی عباده من لدن آدم علیهم السلام حتی آخر الأنبیاء والمرسلین محمّد بن عبدالله صلی الله علیه و آله و سلم تدعو إلی التوحید الخالق وعلا، وکلها جاءت بالمفهوم الشامل والعام لمعنی کلمة «إسلام» والتي تعنی: التسلیم المطلق والإذعان والانقیاد لله الواحد القهار.


وقد اختلفت الشرائع من دین لآخر. قال الله عز وجل:
«وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ في‏ ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فيهِ تَخْتَلِفُون‏»1
والکتب السماویة التي أنزلها الله علی أنبیائه قبل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قد طواها الزمن ولم یبق منها إلا «التوراة» و«الإنجیل». ولکن أهل الکتاب من الیهود والنصاری قد حرفهما. فقال الله تعالی:
«أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَ قَدْ كانَ فَريقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَ هُمْ يَعْلَمُون‏»2
فالتوراة والإنجیل کلاهما قد تطرّق إلیه التبدیل والتحریف وتناول ذلک منها جانب العقیدة وجانب الشریعة علی حدّ سواء، وما في أیدی الناس منهما الیوم لیس هو التوراة التي أنزل الله علی موسی علیهم السلام، ولیس هو الإنجیل الذي نزل علی عیسی علیهم السلام.3
ومع ذلک فقد یکون في التوراة والإنجیل مما في أیدی الناس الیوم ما یوافق شریعتنا في بعض الجوانب، وحول هذا المعنی روی البخاري عن أبي هریرة أنه قال:
کان أهل الکتاب یقرؤون التوراة بالعبرانیة ویفسرونها بالعربیة لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: «لا تصدقوا أهل الکتاب ولا تکذبوهم و«قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا».4
قد حوت کتب التفاسیر والحدیث والتاریخ العدید من تلک الروایات والموضوعات الإسرائیلیة التي تسربت عبر الإسلام بعض الیهود الذین ذکروا الکثیر من الروایات التي نقلوها من کتبهم فتناقلتها بعض الأیادي الإسلامیة دون تمحیص أو رویّة  ممن کانوا یتجاوزون ویتساهلون في التقل والروایة عن أهل الکتاب. وقد اعتبر الشیخ عطیة صقر أن الإسرائیلیات هي إحدی مکائد الیهود للإسلام والمسلمین، وقد لبس بعض من أسلموا من الیهود مسوح المسلمین ومارسوا نشاطهم الکیدي وانخدع بعض المسلمین فساروا في هذا الطریق.

معنی الإسرائیلیات وأنواعها في کتب التراث الإسلامي
أوّلاً: معنی الإسرائیلیات
هي جمع لکلمة إسرائیلیة وهي تعني قصة أو حکایة أو حادثة تُنسب إلی مرجع أو مصدر من المصادر الیهودیة، وإسرائیل هو یعقوب بن إسحاق بن إبراهیم.
فبنو إسرائیل هم الذين تناسلوا و قد تمت الإشارة إليهم في هذا الباب في القرآن الكريم في مواضع و يعرفون بهذا.
ولفظ الإسرائیلیات - وإن کان یدل بظاهره علی القَصص الذي یُروی أصلاً عن مصادیر یهودیة - یستعمله علماء التفسیر والحدیث ویطلقونه علی ما هو أوسع وأشمل من القصص الیهودی، فهو في اصطلاحهم یدل علی کل ما تطرق إلی التفسیر والحدیث من أساطیر قدیمة، منسوبة في أصل روایتها إلی مصدر یهودي أو نصراني أو غیرهما، بل توسع بعض المفسرین والمحدثین فعدوا من الإسرائیلیات ما دسّه أعداء الإسلام من الیهود وغیرهم علی التفسیر والحدیث من أخبار لا أصل لها في مصدر قدیم، وإنما هي أخبار من صنع أعداء الإسلام، صنعوها بخبث نیة، وسوء طویة، ‌ثم دسوها علی التفسیر والحدیث، لیفسدوا بها عقائد المسلمین... وإنما أطلق علماء التفسیر والحدیث لفظ الإسرائیلیات علی کل ذلک من باب التغلیب للون الیهودی علی غیره، لأن غالب ما یُروی من هذه الخرافات والأباطیل یرجع في أصله إلی مصدر یهودي، والیهود قوم بهت، وهم أشد الناس عداوة وبُغضاً للإسلام والمسلمین.
والیهود کانوا اکثر أهل الکتاب صلة بالمسلمین، وثقافتهم کانت أوسع من ثقافات غیرهم، وحیلهم التي یصلون بها إلی تشویه جمال الإسلام ماکرة خادعة.5
والإسرائیلیات هي عبارة عن القصص والروایات والحکایات والأساطیر التي ذُکرت في کتب الیهود ومنها:
• التوراة التي دخل علیها التحریف والتبدیل بعد نبي الله موسی علیهم السلام؛
• ومن کتبهم «الزبور»، وهو الکتاب الذي أُنزل علی نبي الله داود علیهم السلام؛
• ومن کتبهم التي ینقلون عنها «التلمود»، وهو عبارة عن مصنف کبیر للأحکام الشرعیة أو مجموعة القوانین الفقهیة للدیانة الیهودیة، قام بوضع هذه الأحکام والقوانین مجموعة من الأحبار والحاخامات وفقهاء الیهود علی مر الأزمنة والعصور، وأسفار التلمود في الأصل روایات شفهیة تناقلها الحاخامات من جیل إلی جیل.
وهذا الکتاب ملیء بالأساطیر والخرافات التي سطّرها حاخامات یهود عبر تاریخ الیهود، وهو مادة خصبة للإسرائیلیات التي تذخر بها کتب التراث الإسلامی؛
• ومن کتبهم أیضاً «الزوهار»،‌ وهي کلمة عبریة تعنی الإشراق أو الضیاء، وکتاب الزوهار أهم کتب التراث القبالی نسبة إلی «القبالاة» وهي فرقة تنتسب إلی الصوفیة مکتوب بالآرامیة ثم تُرجم إلی العبریة علی المعنی الباطني للعهد القدیم التوراة. والزوهار أصبح بالنسبة إلی المتصوفة الیهود في منزلة التلمود بالنسبة إلی الحاخامیین، وقد شاع بعد ذلک بین الیهود، حتی احتل مکانة أعلی من مکانة التلمود...6

ثانیاً: أنواع الإسرائیلیات في التراث الإسلامی
القسم الأوّل: ما أقرّته الشریعة الإسلامیة ووافق القرآن الکریم والسُنة النبویة الصحیحة من کتب الیهود وخاصة التوراة مما لم یعتریه التحریف والتأویل والتبدیل ومن ذلک:
• أسماء الأنبیاء دون الخوض في قصصهم التي شابها کثیر من التحریف والتبدیل ما اخترعوه في قصة یعقوب علیهم السلام؛
• ورود بعض التشریعات في التوراة أقرّتها شریعتنا الإسلامیة ومن ذلک الختان.
القسم الثاني: فهو ما خالف شرعنا الإسلامِ الحنیف وهو کثیر وغزیر ومن أمثلة ذلک تطاولهم علی الأنبیاء الله والانتقاص والحطّ من قدرهم وهم عندنا - کمسلمین - أصحاب منزلة رفیعة سامقة بحسب درجاتهم ومنزلتهم عند الله عز وجل وهم عندنا من المعصومین من الکبائر التي قذفتهم بها التوراة المحرّفة.
أما عقیدتهم الفاسدة في ذات الله سبحانه وتعالی فقد وصفوه عز وجل بصفات لا تلیق بجلاله وعظمته وبهائه وقدسیته، فالتوراة تشبه بالبشر فهو في عیونهم إله یصُاب بالتعب والنصب لذلک فهو یحتاج إلی الاستراحة تعالی عما وصفه به الأفاکون علواً کبیرا. فتقول التوراة:
إن الله خلق السموات والأرض في ستة أیام واستراح في الیوم السابع وکان یوم السبت...7
وعلی هذا فیمکن القول إن هذا القسم وهو ما جاء مخالفاً لشریعتنا الإسلامیة أکثر بکثیر من القسم الأوّل، وذلک لأن مخالفتهم لنا شملت جمیع أوجه الدین سواء کان في الإعتقاد أم في الأحکام أو فیما یتعلق بالمواعظ والحِکم. وفي النوع الأخیر سنجد الکم الغزیر من القصص والحکایات التي تحمل بین طیاتها کل غریب وعجیب وشاذ. وقد أتت التوراة بتفاصیل ودقائق لا طائل منها، وکذلک ما تذخر به التوراة من حکایات وقصص لا أصل لها في دیننا الإسلامی الحنیف، کقصة الحیّة8 وغیرها من القصص والأساطیر التي انتقل بعضها لتراثنا الإسلامی مما أفسد علی بعض المسلمین عقائدهم بما تنطوی علیه هذه الإسرائیلیات المخالفة لشرعنا من تشبیه وتجسیم ووصف الله عز وجل بما لا یلیق کا أن هذه الأساطیر والحکایات التي اندست في تراثنا الإسلامی کانت بمثابه مادة خصبة للمستشرقین للادعاء بأن الإسلام قد اقتبس عقائده وشرائعه من الأدیان الأخری وخاصة من الیهودیة. هذا إلی جانب ما تصوره تلک الحکایات الغریبة والعجیبة التي اندست في مصادرنا الإسلامیة في صورة دین خرافي یعنی بالترهات والأباطیل التي لا أصل لها. لذلک کله کان هذا الصنف أو القسم الذي یخالف اعتقادنا وشریعتنا کمسلمین من الخطورة بمکان بحیث أصبح هذا الموضوع کالسرطان الذي یسري بین کیان مصادرنا وتراثنا وخاصة کتب التفاسیر وقصص الأنبیاء وکتب الرقائق مما اخترقته تلکم الإسرائیلیات الإسرائیلیات التي ینبغي تطهیر وتعقیم تراثنا منها.
القسم الثالث: ما لم یُقرُّه الإسلام ولم یُنکره وما سکت عنه شرعنا، فهذا النوع لا نُصدقه ولا نُکذبه.
وأمثلة هذا النوع کثیرة وهو مما لا فائدة منه ولا طائل یُرجی من روایات تلک الحکایات والقصص والأساطیر. ومن ذلک وصف تابوت العهد الذي ذکره الله عز وجل في سورة البقرة بقوله:
«وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فيهِ سَكينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى‏ وَ آلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ في‏ ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنين‏»9
فهذه هي أنواع الإسرائیلیات التي ذُکرت في مصادرنا الإسلامیة.
و سنتطرق في العدد القادم بتقديم اليهود الذين تظاهروا بالإسلام. إن شاء الله.


یوسف رشاد

الهوامش:
1. سورة المائدة، الآیة 48.
2. سورة البقرة، الآیة 75.
3. «الإسرائیلیات في التفسیر والحدیث»، الدکتور محمّد جسین الذهبي، ص 9.
4. رواه البخاري فی «کتاب الشهادات»، باب: لا یُسأل أهل الشرک عن الشهادة وغیرها، ص 29.
5. «الإسرائیلیات في التفسیر والحدیث»، الدکتور محمّد جسین الذهبي، ص 15.
6. «التوراة العدو اللدود للسامیة»، ص 67، الناشر: دار الکتب العربي، دمشق - القاهرة.
7. «سفر التکوین»، الإصحاح الثاني، ص 1؛ «سفر الخروج»، الإصحاح الحادي والثلاثون، ص 18.
8. «سفر التکوین»، الإصحاح/3.
9. سورة البقرة، الآیة 248.

المقتبس من «الیهود المتخفون وأثرهم في المسیحیة والإسلام قدیماً وحدیثاً»، یوسف رشاد، الناشر: دار الکتاب العربي، ط 1، 2010م.

نوشتن نظر