قبيلة الرحمة (الفصل الثاني: قبيلة صبغة الله)

يكشنبه ۱۲ بهمن ۱۳۹۳ ساعت ۱۹:۰۸
امتیاز این گزینه
(0 آرا)

إسماعیل شفیعی سروستانی
وبعد أن يثني الإمام المعصوم (ع) على الله ويحمده في "دعاء الندبة الشريف" لتكريمه طائفة "صبغة الله" ومن يحملون لونا إلهيا واستخلاصه لأوليائه ويقول:
-    اَللّـهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلى ما جَرى بِهِ قَضاؤكَ في اَوْلِيائِكَ...؛


وبعد أن يثني الإمام المعصوم (ع) على الله ويحمده في "دعاء الندبة الشريف" لتكريمه طائفة "صبغة الله" ومن يحملون لونا إلهيا واستخلاصه لأوليائه ويقول:
-    اَللّـهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلى ما جَرى بِهِ قَضاؤكَ في اَوْلِيائِكَ...؛
-    الَّذينَ اسْتَخْلَصْتَهُمْ لِنَفْسِكَ وَدينِكَ؛
-    اِذِ اخْتَرْتَ لَهُمْ جَزيلَ ما عِنْدَكَ مِنَ النَّعيمِ الْمُقيمِ الَّذي لا زَوالَ لَهُ وَلاَ اضْمِحْلالَ؛
-    بَعْدَ اَنْ شَرَطْتَ عَلَيْهِمُ الزُّهْدَ في دَرَجاتِ هذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ وَزُخْرُفِها وَزِبْرِجِها؛
-    فَشَرَطُوا لَكَ ذلِكَ وَعَلِمْتَ مِنْهُمُ الْوَفاءَ بِهِ؛
-    فَقَبِلْتَهُمْ وَقَرَّبْتَهُمْ؛
-    وَقَدَّمْتَ لَهُمُ الذِّكْرَ الْعَلِيَّ وَالثَّناءَ الْجَلِىَّ؛
-    وَاَهْبَطْتَ عَلَيْهِمْ مَلائِكَتَكَ؛
-    وَكَرَّمْتَهُمْ بِوَحْيِكَ؛
-    وَرَفَدْتَهُمْ بِعِلْمِكَ؛
-    وَجَعَلْتَهُمُ الذَّريعَةَ اِلَيْكَ وَالْوَسيلَةَ اِلى رِضْوانِكَ.

إن تيار "صبغة الله" الجاري بين الأولياء في عهدة الله الرحمن، ملتزم ب "الزهد في الدنيا" ليكون في جماعة المقربين ويتحرك ب "النعم التي لا تزول" و "الملائكة التي تهبط" و "الكتاب السماوي" و "علم الوحي" من دون خوف ووجل، نحو عباد الله ليصبح دليلا ومرشدا لهم لإيصالهم إلى الجنة ومعين الرحمة واللطف الإلهي.
إن الإذن الإلهي والزهد في الدنيا والمقدرة والمعرفة و "مقام القرب إلى الله" كان بمثابة الرصيد والمعطيات التي ساندت  "الأولياء" في قيادة ورفد المستضعفين المنادين بالقرب إلى الله. وبناء على ذلك، أصبحوا يستحقون "الشرب المستديم" و "التواصل المستديم" وتلقي نعمة "القرب إلى الله" التي لا زوال لها عند مليك مقتدر.
إن ما يصب من البحر في البحر                يذهب إلى حيث أتى
رَجيم جنة الحضور

وبعد هذه المقدمة الجلية والهادية، يرسم الإمام المعصوم (ع) في دعاء الندبة ، تيار "صبغة الله"  مع ذكر المصاديق وكل ما حدث له على يد تيار "لعنة الله". بعبارة أخرى، فان دعاء الندبة يقدم السلسلة النورانية لصبغة الله. ومنذ بداية خلقة آدم (ع) وحتى يتبلور مصير العالم، ثمة منعطفات مهمة طوال التاريخ، لكي ينتبه ويتذكر قارئ الدعاء "الخارطة الإلهية العامة". ولذلك يقال بان دعاء الندبة يتولى مهمة تقديم ووصف هذا التيار الإلهي.
وبعد الحمد والثناء اللذين يردان في كل الأدعية والزيارات المأثورة، نقرأ:
اَللّـهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلى ما جَرى بِهِ قَضاؤكَ في اَوْلِيائِكَ...؛ الَّذينَ اسْتَخْلَصْتَهُمْ لِنَفْسِكَ وَدينِكَ (صبغة الله)؛ اِذِ اخْتَرْتَ لَهُمْ جَزيلَ ما عِنْدَكَ مِنَ النَّعيمِ الْمُقيمِ الَّذي لا زَوالَ لَهُ وَلاَ اضْمِحْلالَ ...
"فبعض ...

إن أول وأهم منعطف في التاريخ هو ولادة وحياة وسير الإنسان في الكون، ومن نافذة معرفة الأديان الإبراهيمة والتوحيدية، وإخراج آدم وحواء من الجنة بعد اقترابهما من الفاكهة المحظورة.
إن الكتاب والدين التوحيدي، يأخذان بيد ابن ادم ليمررانه خطوة فخطوة من منعطفات ومجازات التاريخ المهمة.

سر الفاكهة المحظورة
إن القرآن ليس كتاب التاريخ، بل هو كتاب الهداية والذكر. اذ قال تبارك وتعالى:
"ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ"؛
إن كلام القرآن الناطق، أي كلام المعصومين، هو ككلام القرآن الصامت، فيه هدى وذكر. فالذكر ينهمر على القلب الجاهز للمؤمن، كماء المطر، فيؤدي إلى الحيوية والنشاط والنضارة والقوة ويثمر النمو والكمال.
إن اشارة الأدعية مثل "دعاء الندبة" إلى المصير والتاريخ، هو من أجل تذكير الإنسان. التذكير بالمنعطفات التي مرت على   البشرية وأدت إلى الهداية أو الضلال. إن التذكير بهذا الكلام يذكر الانسان العصري بالمنعطفات والتقاليد الثابتة وعلى الأرجح الثغرات عسى أن يتجنب الانسان في المرة التالية الثغرات والهفوات وألا يسقط في نقرة الضلال. ونقل عن النبي الأكرم (ص) اذ قال:
"لاَ يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ"؛
والدعاء يشير في جملة قصيرة إلى تسكين آدم وزوجته حواء في الجنة وخروجهما من الجنة مكان سكنهما.
إن حكاية هذا الإسكان والخروج هي حكاية الانسان في صحن وسراي أهل الإيمان والخروج من جنة الايمان بعد الغفلة وعصيان أوامر الله ونواهيه، الشئ الذي تكرر طيلة تاريخ تواجد الانسان على الأرض لالاف السنين.
إن خلقة آدم (ع) بدأت مع العهد ووقع خروجه من الجنة مع الإنفصام عن العهد. إن هذا أول تذكير لدعاء الندبة لجميع المؤمنين وتبيان ما حدث في المرحلة الأولى والمنعطف للخارطة الإلهية العامة (من أجل سير وسفر الانسان في الأرض حتى آخر منزل موعود)، وإماطة اللثام عن تقليد مهم إن لم يُدرك، فان قصة الطرد من الجنة والحضور أمام الله تعالى، ستقع آلاف المرات الاخرى.
إن الله تعالى لم يضمن لاي كائن كان أن يبقى خالدا إلى الأبد في جنة الحضور وفي جموع المؤمنين، حتى وإن كان آدم (ع) الصفي وابو البشر. وكما في التمرد والعصيان، فان آدم وحواء طردا من الجنة وهبطا إلى الأرض.
ويقول الإمام الصادق (ع) أن سبب تسمية آدم (ع) بهذا الإسم هو أنه خلق من "الأديم" وقشرة الأرض.
ويقول الشيخ الصدوق أن "الأديم" هو اسم الطبقة الرابعة من الأرض والتي خلق آدمة(ع) منها.
إن خلقة الأب والأم مباشرة من قشرة الأرض، يعد تذكيرا مهما بحد ذاته لكي يعرف الانسان أنه لا يملك أي قوة وقدرة ورأسمال، ماعدا أن يد القدرة الإلهية انتشلته من تراب المذلة. وورد في رواية أن الله تعالى خلق آدم (ع) من دون أب وأم لكي يكون دليلا على قدرة الله.
وبعد أن اختير آدم (ع) ووجد في المراحل التكوينية الروح الإلهية وتعليم الأسماء. سجدت له الملائكة بامر من الله وأسكن في الجنة.
وطلب من آدم وحواء ألا يقربا الشجرة الممنوعة وألا يأكلا من ثمرها.
"وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ"؛
إن عصيان العاصين، إبليس ومن بعده آدم وحواء، جعلهم حسب السنة الإلهية يستحقون البعد والإبتعاد. فابليس عن الحضور الإلهي وادم وحواء عن الجنة حيث سكناهما. وقال الله لابليس:
"قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ"؛

وكان آدم وحواء قد انتبها إلى خدعة ومكر ابليس. وكان الله قد حذرهما مما كان يهددهما، بحيث أن الله تعالى يذكر جميع أبناء آدم في الآية 27 من سورة الأعراف بكل ما حل لأبويهما ويقول:
"يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ".
وهذا ظاهر القضية، ويجب التذكير ب"سر" توبيخ وطرد آدم من الجنة ومعرفة ماذا كان ذنبه الكبير؟ وبلا شك لم يكن الفاكهة المحظورة والتفاحة والقمح وما شابه ذلك. فان عرفنا حكمة الطرد، فان ما حدث، سيشكل تذكرة وعبرة للآخرين وسيعقبه ردع للتجربة الأولى لادم وحواء.
ولقد كشف النقاب عن هذا السر، المعصومون فحسب، وإلا ليس هناك بعد آدم (ع) وإلى يوم القيامة، قمح ولا تفاحة يكون بني آدم بحاجة إليهما، لكي يُذكروا بشأنها ويبقوا بمأمن عن الطرد.
وفي فجر الخلقة، عندما فتح آدم (ع) عينيه، ظن أن الله تعالى لم يخلق ضمن مخلوقاته، خلقا أكرم وأشرف منه. وأمر أن ينظر إلى ساق العرش. وعندما نظر رأى أنه كتب بقلم التكوين:
"لا إله الا الله، محمد رسول الله وعلي بن أبي طالب أمير المؤمنين وزوجه فاطمة سيدة نساء العالمين والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة".
فقال من هؤلاء؟ فجاء الرد: إن هؤلاء من أبنائك وأفضل منك ومن جميع الخلق، وإن لم يكن هؤلاء لما خلقتك ولا الجنة والنار والسماء والأرض".
عندها قال:
"لا تغبط مقامهم! إلا أن آدم تمنى مقامهم وتسلط الشيطان عليه وزوجه عن هذا الطريق ووسوسه ليأكلا من الشجرة الممنوعة التي كانا قد منعا من أكلها".
وعندما تمنى آدم وحواء المقام السامي لأهل البيت، رأى الشيطان أن الفرصة سانحة لإغوائهما وأقسم بشأنهما باني أريد الخير لكما وقال: ألا تريدان أن أدلكما على شجرة إن أكلتما منها ستخلدان وتملكان الملك الأبدي؟
"فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ"؛
وكأن هذه الشجرة في الجنة، كانت تمثل الصورة البرزخية للشجرة الطيبة لولاية محمد وآل محمد (ص)، بحيث أن جميع النعم الجسدية والروحانية تنبع وتنمو منها. لذلك فان الله تعالى نهى آدم وحواء عن الشجرة الممنوعة لسبب أنهما لم يكونا في منزلة أهل البيت وأن طلب مقامهم من قبلهما كان بمنزلة الخروج عن حدهما ومرتبتهما وأن الأثر الوضعي لهذا الخروج كان تسلط الشيطان والسقوط من مقامهما.
وتفسيرا للآية:
"أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا"؛
قال الإمام علي أمير المؤمنين (ع): نحن آل ابراهيم. لذلك فقد أصبحنا محسودين، مثلما كان آباؤنا محسودين، وأول من حسدنا، كان ادم (ع) الذي خلقه الله بيديه.
والمراد من الحسد فيما يخص آدم (ع) هو الغبطة، لا الحسد الذي يعد رذيلة أخلاقية. لذلك فان النهي عن الأكل من الشجرة الممنوعة، كان نهيا إرشاديا، وكان الله قد حذر ادم وحواء بان تمني مقام محمد وآل محمد (ص) يؤدي إلى الفضيحة والإبتلاء بالمشقة والخروج من الجنة وغلق العيون البرزخية. لذلك عندما هبط ادم إلى الأرض، تاب عن أمنيته وجعل النبي وأهل بيته واسطة بينه وبين الله، وأقر بذلك بتقدمهم وشرفهم وقبل الله توبته.
ويكشف دعاء الندبة في أول منتقى له ضمن تبيان "الخارطة الإلهية العامة" وتقديم المنعطفات المهمة التي حلت بالبشرية، النقاب عن أحد المدلولات المهمة لطرد الانسان من جنة الحضور والقرب، وذلك من خلال تذكير المؤمنين بسر الشجرة الممنوعة ويذكرهم عسى أن ينتبهوا في هذا الخصوص لكي لا ينحرفوا عن مسار القرب والا يبتلوا بقبيلة لعنة الله بعدما كانوا في قبيلة صبغة الله. ورغم تصورنا، فان التاريخ يعيد نفسه.
إن الانسان جيلا بعد جيل، يمر بظروف تاريخية خاصة ويرتكب حسب السنن الثابتة والمقدرة للكون، عملا ارتكبه ألوف الأشخاص قبله. ومثلما أن ضربة سكين تؤدي إلى تمزق اليد والذراع، فان ممارسة الظلم ضد الأب والأم والعقوق، يجلب التعاسة والشقاء للأبناء.
إن الانسان وفي أي عصر وبين أي جيل يعيش، يستطيع أن يجرب أثر هذه القواعد. إن الوعي التجربي في العالم الفيزيقي يذكر الانسان ويدعوه للإنتباه؛ لانه يشاهد نتائج الاعمال بام عينه. لكن الانسان قلما يشاهد ما يحدث في ما وراء العالم الفيزيقي، لذلك فان الانسان ينتبه إلى نتائج وعواقب أعماله متأخرا.
إن الإبتلاء بالإبتعاد عن جنة الحضور، مثل إبتلاء الأولاد غير البارين بأبويهم بالعقوق، أمر حتمي الوقوع. ويكفي أن يستقر الانسان في مدار هذه الواقعة وأرضياتها لكي يجربها. ويبين الله تعالى سر عموم البلايا والآفات التي تنزل على الانسان في قضية الفاكهة الممنوعة ويذكر الانسان بهذه الذريعة.
إن المطرود من مدار الرحمة يعني الهبوط في مدار اللعنة وبالتالي تجربة الإبتعاد عن رحمة الله وأن يكون مغضوبا. إن من يبتعد عن الرحمة يبتلى في شقاء أبدي، بالدنيا والآخرة المعتمة والمظلمة والجهنمية الخالدة والدائمة. فإن لم يتب آدم (ص)، لكان سيصبح عقب ابليس، متلقيا لخطاب "عليك لعنتي" و "فانك رجيم".
"وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ"؛
ويتوعد الله تعالى في الآيات الثماني التالية، ابليس بالعذاب الجهنمي ويدينه. إن طرد ورجم ابليس يتعلق في الحقيقة بعقوبته الدنيوية وإن العذاب الأبدي في الجحيم سيكون عقابه الأخروي.
ومن ثم يتجه دعاء الندبة على الفور صوب المنعطف الثاني من سير وسفر الإنسان في التاريخ.